كانت الشوارع تمشي...
نعم، كانت تمشي.
الفرسان يكتبون على ظهور الخيل سيرة مدينة تعرف كيف تحترم تاريخها. والدمى العملاقة كانت تعانق الأطفال وتذكّر الكبار بأن الإنسان الذي يفقد دهشته يفقد نصف عمره. أما دبكة فلسطين، فلم تكن مجرد رقصة شعبية، بل كانت وطناً يرقص حتى لا يموت، ورسالة تقول إن الثقافة لا تعترف بالحدود، وإن الفرح نفسه يمكن أن يكون موقفاً أخلاقياً.
وكانت المنظمات الشبابية، بكل أطيافها، حاضرة لا لتزيّن المشهد، بل لتصنعه. فمن الكشافة إلى الجمعيات، ومن المتطوعين إلى أصحاب المبادرات، كان الجميع يكتب جملة واحدة: هذه المدينة تؤمن بأبنائها.
والأجمل... أن إشارة الانطلاق لم تكن قراراً إدارياً، بل كانت توقيعاً جماعياً لشباب مدينة جمال. وكأن المدينة قررت أن تقول للعالم: إذا أردتم أن تعرفوا مستقبلنا، فانظروا إلى هؤلاء الذين يحملون الأعلام، وينظمون الصفوف، ويبتسمون رغم التعب.
يا للمفارقة...
في مدن كثيرة، يُقال إن الشباب لا يفعل شيئاً. وفي جمال، أثبت الشباب أنهم قادرون على فعل كل شيء... إلا اليأس.
لقد بدا الكرنفال وكأنه قصيدة خرجت من كتاب، وقررت أن تسير بين الناس. وكل زاوية في المدينة كانت تهمس بأن الثقافة ليست منصةً ولا مكبر صوت، بل هي إنسان يؤمن بمدينته فيمنحها جزءاً من عمره دون أن ينتظر مقابلاً.
ولعل هذا هو الانتصار الحقيقي لمهرجان أم الزين: أنه لم يكتفِ باستضافة الفنانين، بل منح البطولة لشباب المدينة ومواهبها، أولئك الذين سيصبحون، بعد سنوات، وجوهاً تصنع المشهد الثقافي التونسي.
وقد أكدت مديرة المهرجان ليلى بن ذياب أن هذه الدورة تراهن على طاقات شباب مدينة جمال ومواهبها، إيماناً بأن الثقافة لا تُصنع إلا عندما يصبح الشباب في قلب المشروع، لا على هامشه. فمهرجان أم الزين ليس مجرد سلسلة من العروض الفنية، بل هو فضاء لاكتشاف المبدعين وصناعة جيل جديد يحمل مشعل الثقافة.
أما السهرة الفنية الافتتاحية، فستقام يوم 25 جويلية مع الفنان "أبو دغنوج"، في موعد ينتظره جمهور المهرجان، ليكون الاحتفال الفني الكبير الذي يواصل به مهرجان أم الزين رسم ملامح صيف ثقافي استثنائي بمدينة جمال.
الحقيقة أن المدن لا تكبر بعدد عماراتها...
بل بعدد الشباب الذين يؤمنون بها.
ولا تُقاس الحضارة بارتفاع الجدران، بل بارتفاع الأحلام.
ولهذا، لم يكن مهرجان أم الزين مجرد افتتاح لدورة ثقافية جديدة، بل كان إعلاناً بأن مدينة جمال ما زالت تعرف سر الحياة: أن تترك الشباب يقودون المشهد، لأنهم وحدهم يعرفون الطريق إلى الغد.
تحية إلى شباب جمال...
أنتم لم تفتتحوا مهرجاناً فقط...
بل افتتحتم الأمل.