سواء كانت أم الزين شخصية تاريخية موثقة، أو رمزًا نسجته الذاكرة الشعبية، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في البحث عن شهادة ميلادها، بل في حضورها العميق داخل المخيال الاجتماعي لأهالي جمال. فالأساطير المؤسسة لا تُقاس بمدى دقتها التاريخية، وإنما بقدرتها على صناعة هوية جماعية، تمنح المدينة روحًا خاصة، وتجعل أبناءها يشعرون بأنهم ينتمون إلى قصة أكبر منهم.
من هنا، لا يبدو مهرجان أم الزين مجرد موعد فني، بل طقسًا سنويًا لتجديد العهد مع الذاكرة. ففي كل صيف، تعود المدينة لتقول إن الإنسان قد يرحل، لكن الرمز يبقى، وإن الحجارة تبني المدن، أما الحكايات فتبني الأوطان.
وفي دورته الحادية والخمسين، يواصل المهرجان كتابة هذه الحكاية من خلال برمجة متنوعة تجمع بين آية دغنوج، وعرض الزيارة بقيادة سامي اللجمي، ونوردو، ويونغرز، وجنجون، وياسين الصالحي، ونجلاء التونسية، وفوزي بن قمرة وسمير لوصيف، في رسالة تؤكد أن جمال قادرة على أن تجمع بين التراث والحداثة، وبين الأغنية الأصيلة والإيقاعات الجديدة.
غير أن أجمل ما في المهرجان قد لا يكون فوق الركح، بل خلفه... في مدرسة مهرجان أم الزين، التي تواصل، بقيادة ليلى بن ذياب، أداء دور ثقافي وتربوي متميز، بتحويل الأطفال والشباب من جمهور يستهلك الفن إلى جيل يتعلم كيف يصنعه. إنها الورشة التي تؤمن بأن المستقبل لا يُورَّث، بل يُدرَّب عليه.
والمفارقة الساخرة أن عالم اليوم ينفق الملايين ليصنع "مؤثرين" يعيشون أيامًا معدودة على شاشات الهواتف، بينما تصنع مدينة جمال، بهدوء، رمزًا ثقافيًا يعيش أكثر من نصف قرن، ويزداد حضورًا مع مرور الزمن.
لذلك، فإن مهرجان أم الزين ليس احتفالًا بالصيف فقط، بل احتفال بانتصار الذاكرة على النسيان، والهوية على الذوبان، والثقافة على الضجيج. فكل مدينة تملك شوارع... أما المدن العظيمة، فهي وحدها التي تملك حكاية. وجمال... تملك حكاية اسمها أم الزين.