واستهل ظافر يوسف عرضه بصوته المميز وعوده الذي ظل على امتداد مسيرته الفنية جسراً بين الموروث الموسيقي العربي وآفاق الموسيقى العالمية، مقدماً مشروعاً فنياً يحمل بعداً شخصياً وإنسانياً عميقاً. ويحيل عنوان «شيراز» إلى اسم زوجته، المخرجة شيراز فرادي، التي يستلهم منها العمل جانبا من تجربته العاطفية والإنسانية، في صياغة موسيقية تتقاطع فيها مشاعر الحب والجمال والأمل وحب الحياة.
وقد يستحضر العنوان أيضاً مدينة شيراز الإيرانية، بما تختزنه في الذاكرة الشرقية من رمزية شعرية وثقافية وصوفية، غير أن ظافر يوسف يقدّم «شيراز» بوصفه فضاءً إنسانياً يتجاوز المكان، وتلتقي فيه التجربة الشخصية بالأسئلة الكونية التي تشغل الإنسان في بحثه الدائم عن الجمال والسلام.
وكما عُرف عنه، لم يتعامل ظافر يوسف مع الموسيقى باعتبارها حدوداً أو قوالب ثابتة، بل جعل منها فضاءً للتجريب والعبور. ففي «شيراز» يتجاور العود مع البيانو والغيتار والدرامز والترومبيت، وتتقاطع الألحان الشرقية مع الجاز والبلوز والموسيقى الكلاسيكية، لتتشكل من هذا التفاعل لغة موسيقية خاصة، تنطلق من الجذور دون أن تتوقف عندها.
وفي هذا العمل، بدت الموسيقى أحياناً هادئة ومتأملة، تترك للصمت ومساحات الإصغاء دوراً في بناء اللحظة، قبل أن تتصاعد الإيقاعات وتتسع المساحات الصوتية، في انتقالات موسيقية بدت وكأنها تستعيد تقلبات التجربة الإنسانية نفسها؛ من الحزن إلى الفرح، ومن الألم إلى الأمل، ومن الانكسار إلى القدرة على مواصلة الحياة.
وظل الموروث الموسيقي العربي حاضراً في «شيراز» ضمن رؤية منفتحة على العالم، حيث تماهت المقامات والنبرات الشرقية مع الجاز والإيقاعات العالمية، في امتداد لمسيرة ظافر يوسف القائمة على الحوار بين الشرق والغرب، وبين الأصالة والتجديد.
ولم يقتصر العمل على التجريب الموسيقي، بل حمل رسالة إنسانية تحتفي بالحب والجمال والأمل، وتؤكد قيم الانفتاح والتعايش والتبادل الثقافي. وهكذا بدا «شيراز» أكثر من مجرد عرض موسيقي، بل تجربة تجعل من الموسيقى لغة عابرة للحدود، قادرة على جمع الثقافات والاحتفاء بالإنسان والسلام.