كانت تعيش في قصر رجل قال للناس : ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، لكنها لم تسمح لسلطة القصر أن تسكن قلبها، ولم تجعل قربها من الطاغية سبباً في أن تصبح مثله. كانت في المكان الذي يملك كل شيء تقريباً، لكنها كانت تعرف أن الإنسان قد يمتلك القصر ولا يمتلك نفسه، وقد يجلس على العرش ولا يعرف إلى أين يمضي به هذا العرش عندما تنتهي الحكاية.
وحين وجدوا موسى عليه السلام طفلاً في اليم، كان منطق القصر يقول إن الطفل خطر يجب التخلص منه، لكن آسيا رأت فيه حياة تستحق أن تُنقذ، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾. أحبّت موسى، وساهمت في أن يبقى حياً، ثم شاء الله أن يعود إلى أمه لترضعه بعدما رفض الرضاعة من المرضعات. لم تكن آسيا مجرد امرأة صالحة تجلس في قصرها وتعبد ربها في صمت، بل كانت امرأة ترى الخير فتسعى إليه، وترى الخطر فتحاول دفعه، وترى الإنسان فتتعامل معه كإنسان، حتى وإن كان العالم المحيط بها قد تحول إلى آلة للبطش والخوف.
وهنا بالضبط تبدأ الحكاية التي تستحق أن نتوقف عندها اليوم: الفرق بين المرأة الصالحة والمرأة المُصلحة. فالمرأة الصالحة تحرص على نفسها ودينها وأخلاقها وبيتها، وهذا خير عظيم لا يختلف فيه اثنان، لكن المرأة المُصلحة تتجاوز حدود صلاحها الشخصي، فتحمل شيئاً من همّ الآخرين، وتحاول أن تجعل من صلاحها نوراً يمتد إلى أبنائها وزوجها وعائلتها ومجتمعها. هي التي لا تكتفي بأن تقول "أنا لا أؤذي أحداً"، بل تسأل نفسها: "وماذا فعلت حتى أساعد أحداً؟". هي التي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتنصح حين تكون النصيحة في مكانها، وتساهم في نشر الوعي، وتحاول أن تجعل البيئة التي تعيش فيها أقل جهلاً وأقل ظلماً وأكثر إنسانية.
لكن هنا، يا سادة، تبدأ الكارثة الاجتماعية الكبرى! المجتمع يحب المرأة الصالحة، نعم، يحبها جداً، ويصفق لها بحرارة، ويضع صورتها في إطار جميل، بشرط أساسي وحيد: أن تبقى صالحة ولا تتحول إلى مُصلحة! نحبها تصلي وتصوم وتربي أبناءها وتهتم ببيتها وتكون محترمة وهادئة، لكن عندما تبدأ في الحديث عن أخطاء المجتمع، أو تنصح أبناء الجيران، أو تنتقد ظاهرة سيئة، أو تقول إن شيئاً ما يجب أن يتغير، يبدأ القلق ينتشر في الأرجاء: "علاش تدخل روحها؟ شكون طلب منها؟ خلي الناس تعيش!"
نحن في الحقيقة نعيش مفارقة عجيبة: نحب الصلاح ما دام فردياً، ونخاف منه عندما يصبح مشروعاً للإصلاح. نحب المرأة التي تقول "ربي يهدينا"، لكننا نرتبك عندما تقول "خلينا نبدأوا بأنفسنا". نحب المرأة التي تدعو لنا بالهداية، لكننا لا نحب كثيراً المرأة التي تسألنا لماذا لم نهتدِ بعد. نحب الموعظة عندما تكون عامة، جميلة، شاعرية، ولا تشير إلى أحد، لكن عندما تصبح الموعظة مرآة تكشف عيوبنا، نبدأ في كره المرآة بدل أن نصلح الوجه الذي يظهر فيها.
والحقيقة أن المرأة المُصلحة ليست دائماً امرأة مريحة. فهي بطبيعتها تطرح الأسئلة التي يفضل المجتمع دفنها تحت السجاد. لماذا هذا الخطأ؟ لماذا هذه العادة؟ لماذا نربي أبناءنا بهذه الطريقة؟ لماذا أصبح العنف عادياً؟ لماذا أصبح الكذب شطارة؟ لماذا أصبح الفساد "شطارة"، والالتزام بالقانون "غباوة"؟ ولماذا نسكت عن أشياء نعرف في داخلنا أنها خاطئة؟ وهنا تصبح المرأة المُصلحة فجأة "مزعجة"، وكأن المشكلة في المرأة التي تشير إلى الحريق، لا في النار التي تلتهم البيت !
ولذلك ربما يكون الفرق بين الصالحة والمُصلحة شبيهاً بالفرق بين شخص يرى حفرة في الطريق فيبتعد عنها، وشخص يراها فيتوقف ليحذر الآخرين منها. الأول نجا بنفسه، والثاني حاول أن ينقذ غيره. كلاهما خير، لكن الثاني حمل مسؤولية إضافية. وهذا تحديداً ما يجعل الإصلاح أكثر صعوبة؛ لأن المصلح لا يعيش فقط من أجل راحته الشخصية، بل يدخل في منطقة الاحتكاك مع الناس، والناس لا تحب دائماً من يوقظها من نومها، خصوصاً إذا كانت قد اعتادت النوم وأقنعت نفسها أن النوم قدر.
وآسية رضي الله عنها كانت مثالاً عظيماً على ذلك. لم يكن إيمانها مجرد علاقة خاصة بينها وبين ربها، بل ظهر أثره في موقفها من موسى، ثم في موقفها من فرعون، ثم في ثباتها عندما اكتشف فرعون إيمانها. وحين تعرضت للعذاب، لم تتراجع، ولم تستبدل يقينها بخوف، ولم تقل إن القصر والسلطة والذهب والجنود أهم من الحقيقة. رفعت دعاءها الذي أصبح خالداً في القرآن : ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يا لها من امرأة فهمت مبكراً أن القصر الذي يملكه فرعون ليس بالضرورة بيتاً، وأن البيت الحقيقي هو حيث يكون الإنسان آمناً على روحه وإيمانه.
والأجمل في قصة آسيا أنها تعطينا درساً آخر: لا تجعل البيئة السيئة حجة لفسادك، ولا تجعل فساد من حولك مبرراً لصمتك. تستطيع أن تكون صالحاً وسط الفساد، وتستطيع أن تحمل نوراً ولو كان المكان كله غارقاً في الظلام. الإنسان ليس دائماً ابن البيئة كما نحب أن نبرر لأنفسنا؛ أحياناً يكون الإنسان هو الذي يرفض أن يصبح نسخة من البيئة التي يعيش فيها. وآسية كانت زوجة فرعون، لكنها لم تكن "امرأة فرعون" في ميزان الله، بل كانت امرأة مؤمنة جعلها الله مثلاً للذين آمنوا.
ولعل مجتمعنا اليوم يحتاج إلى هذه الفكرة أكثر من أي وقت مضى: نحن لا نحتاج فقط إلى نساء صالحات داخل بيوتهن، بل نحتاج إلى نساء صالحات ومُصلحات في الأسرة والمدرسة والعمل والشارع والإعلام والثقافة. نحتاج إلى المرأة التي تربي أبناءها على التفكير لا على الخوف، وعلى المسؤولية لا على الاتكال، وعلى الصدق لا على "كيفاش نخرج منها". نحتاج إلى المرأة التي إذا رأت خطأً لا تكتفي بالهمس في بيتها، وإذا رأت خيراً لا تحتفظ به لنفسها، وإذا امتلكت معرفة لا تعتبرها ملكية خاصة، بل وسيلة لخدمة من حولها.
أما "المصلحجية"، فهذه قصة أخرى تماماً! المصلحة ليست هي المصلحجية، رغم أن الكلمات تتشابه وكأنهما توأمان، فالمُصلحة تبحث عن إصلاح ما تستطيع إصلاحه، بينما المصلحجية تبحث عن مصلحتها ولو كان الثمن خراب ما حولها. الأولى تعطي شيئاً من نفسها للناس، والثانية تبحث عما يمكن أن تأخذه منهم. الأولى تسأل: "ماذا أستطيع أن أفعل ؟"، والثانية تسأل : "شنوة باش نربح ؟". وبين السؤالين مسافة أخلاقية أكبر من المسافة بين الأرض والسماء.
ولذلك، عندما نقول إننا نريد المرأة الصالحة، علينا أن نعرف ماذا نريد بالضبط. إذا كنا نريد امرأة صالحة فقط حتى نشعر بالراحة، فهذه ليست المشكلة. لكن إذا كنا نريد مجتمعاً صالحاً، فعلينا أن نبحث عن المرأة التي تجمع بين الصلاح والإصلاح، بين العبادة والمسؤولية، بين الأخلاق والشجاعة، بين الاهتمام بنفسها والاهتمام بمن حولها. لأن المجتمع الذي يريد كل أفراده أن يكونوا صالحين لأنفسهم فقط، قد يصبح مليئاً بالصالحين، لكنه يظل عاجزاً عن مقاومة الفساد عندما يتحول إلى ظاهرة عامة.
ربما لهذا السبب لا يحب الناس دائماً المصلحين. المصلح يزعج، لأنه لا يسمح للخطأ أن يصبح عادة، ولا يسمح للسكوت أن يتحول إلى فضيلة، ولا يسمح للناس بأن يناموا مطمئنين فوق جبل من المشاكل. والمجتمعات التي تتعود على الصمت قد تعتبر أول شخص يتكلم مشاغباً، وأول امرأة تنصح متدخلة، وأول شاب يحتج على الخطأ متمرداً، ثم لا تكتشف حجم الكارثة إلا بعد أن يصبح الإصلاح أكثر كلفة من السكوت.
فلنكن صالحين، نعم، فهذا هو الأصل، ولكن لنسأل أنفسنا سؤالاً آخر: هل نستطيع أن نكون مصلحين؟ هل نستطيع أن نترك أثراً طيباً وراءنا؟ هل تستطيع المرأة أن تكون نوراً في بيتها وخارجه؟ هل تستطيع أن تربي وتوعي وتنصح وتشارك وتقاوم الخطأ دون أن تتحول إلى متسلطة؟ وهل يستطيع المجتمع أن يتعلم شيئاً ربما يكون أصعب من الصلاح نفسه: أن يحب من يحاول إصلاحه؟
رحم الله آسيا، المرأة التي عاشت مع فرعون ولم تصبح فرعوناً، وعاشت في القصر ولم تسكنها الدنيا، ورأت موسى طفلاً فأنقذته، ورأت الحق فآمنت به، ورأت الطغيان فلم تنحنِ له، حتى أصبحت قصتها آية تتلى إلى يوم القيامة. ولعل رسالتها لنا اليوم ليست أن نكون صالحين فقط، بل أن نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن يصلح الله بنا؟
اللهم اجعلنا صالحين مصلحين، لا صالحين لأنفسنا فقط. واجعل فينا من الشجاعة ما يجعلنا نرى الخطأ فلا نعتاده، ونرى الخير فلا نبخل به، ونرى الإنسان في حاجته فلا نتركه وحيداً.
فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى أناس لا يفسدون … وإنما يحتاج أيضاً إلى أناس يملكون الشجاعة حتى يقولوا: هنا فساد، وهنا خطأ، وهنا يمكن أن نصلح شيئاً.
وهذا، في زمن أصبح فيه الصمت حكمة عند البعض، واللامبالاة "عقلانية"، والنصيحة "تدخلاً في شؤون الغير"، قد يكون أكبر عمل إصلاحي يمكن أن نفعله.
رب اجعلنا صالحين … مصلحين … ولا تجعل صلاحنا سجناً نختبئ داخله عن مسؤوليتنا تجاه الآخرين.