المشكلة ليست في العطلة... المشكلة في المدرسة التي نصنع بها المستقبل

بقلم شكري بن حسين  

على هامش العودة المدرسية، أعتقد أن معركة التعليم لا يجب أن تختزل في أحد عشر يومًا أو أسبوعين إضافيين من العطلة. يمكن أن نختلف حول التوقيت، ويمكن أن نقتطع أيامًا من عطلة أخرى، فالروزنامة التونسية، والحمد لله، عاشت من الأزمات ما يجعلها قادرة على تحمل بعض الحسابات! لكن القضية أكبر بكثير من ذلك.

القضية هي : أي مدرسة نريد ؟ وأي أجيال نريد أن نصنع ؟ لأننا مازلنا نتعامل مع المدرسة وكأنها قاعة وسبورة ومعلم، وإذا وجدنا مروحة أو مكيفًا شعرنا أننا دخلنا عصر التكنولوجيا ! وفي بعض المناطق مازال الطفل يحمل محفظته ويمشي كيلومترات فوق الجبل حتى يصل إلى مدرسة صغيرة، وكأننا نعدّه منذ طفولته لرياضة المشي لمسافات طويلة، لا لمواجهة عالم الذكاء الاصطناعي والروبوتات والعلوم الرقمية.

المدرسة الريفية الصغيرة كانت لها ضرورتها التاريخية. تونس المستقلة كانت تحارب الأمية وتبني الإدارة والمؤسسات، وكان المطلوب أن يتعلم الطفل القراءة والكتابة والحساب. أما اليوم فقد تغير العالم. لم يعد كافيًا أن نعلّم الطفل كيف يقرأ ويكتب؛ علينا أن نعلمه كيف يفكر، وكيف يبتكر، وكيف يصنع مستقبله ومستقبل بلاده.

لذلك آن الأوان لإعادة بناء الخريطة المدرسية : مدارس عصرية كبرى في مراكز المعتمديات والولايات، مجهزة بالمخابر والتكنولوجيا والمكتبات والملاعب والفضاءات الثقافية، وتوفر النقل والمبيت ونصف الإقامة. مدرسة يصل إليها الطفل بالحافلة بدل أن يصل إليها بعد رحلة جبلية يومية، ويجد فيها كل ما يحتاجه حتى يكون ابن الريف مساويًا لابن العاصمة في الفرص والإمكانيات.

لكن هناك خط أحمر لا يجب أن نقترب منه : المدرسة العمومية.

تحديث التعليم لا يعني إلغاء المدرسة العمومية، ولا تحويل التعليم إلى سلعة، ولا دفع الفقير إلى آخر الصف ثم إخباره بأن التعليم الجيد أصبح في جهة أخرى، وأن عليه أن يدفع ثمنه إذا أراد مستقبلًا جيدًا لابنه. 

إذا أصبحت المدرسة العصرية امتيازًا لمن يملك المال، فنحن لا نصنع أجيالًا، بل نصنع طبقتين من الأطفال : أطفالًا يدرسون المستقبل، وأطفالًا يدرسون كيف يتعايشون مع الماضي. وهذه ليست إصلاحًا للتعليم، بل جريمة اجتماعية في حق الأجيال القادمة.

بل نريد العكس تمامًا : مدرسة عمومية عصرية، مجانية، قوية، تنافس أفضل المدارس الخاصة، وتكون هي العمود الفقري للمشروع الوطني. ومن أراد التعليم الخاص فذلك حقه، ولكن لا يجوز أن يصبح الخاص هو الطريق إلى تعليم جيد، والعمومي مجرد ملجأ لمن لا يملك المال. 

ولماذا لا نتصور هذه المدرسة الجديدة مثل ثكنة للعلم ؟ لا ثكنة للسلاح، وإنما ثكنة للانضباط والمعرفة. زي موحد يسقط الفوارق الاجتماعية، مبيت، رياضة، ثقافة، علوم، تكنولوجيا، وتكوين حقيقي. نريد أن نصنع جنود العلم والذكاء والمهن: جنودًا للطب والهندسة والبرمجة والصناعة والفلاحة الحديثة والطاقة والذكاء الاصطناعي. جيشًا لا يحارب البشر، بل يحارب الجهل والبطالة والتخلف. 

وهذا كله يحتاج إلى استراتيجية وطنية حقيقية : ماذا تحتاج تونس بعد عشرين سنة ؟ ما الاختصاصات التي ستحتاجها ؟ وما الكفاءات التي يجب أن تبدأ المدرسة في صناعتها منذ اليوم ؟ لا نريد شابًا يحصل على شهادة ثم يبدأ رحلة البحث عن عمل، بينما الاقتصاد يبحث في مكان آخر عن المهارات التي لا نملكها.

وهنا يأتي دور المجلس الأعلى للتربية والتعليم : ليس فقط لمناقشة العطل والتوقيت والبرامج، بل لإعادة اختراع المدرسة التونسية، ثم شرح هذه الثورة للناس عبر استراتيجية إعلامية ورقمية ذكية تخاطب الشباب والأولياء بلغتهم، وتشرح لهم لماذا تتغير المدرسة وإلى أين نحن ذاهبون. 

وتأتي بعدها الإذاعات والتلفزات والصحافة لتفتح نقاشًا وطنيًا حقيقيًا حول مدرسة المستقبل، لا برامج تجعل المواطن يحتاج إلى عطلة أخرى بعد ساعتين من الحديث عن الإصلاح !

الإصلاح الحقيقي ليس أن نقرر متى يدخل الطفل إلى المدرسة ومتى يخرج منها. الإصلاح أن نقرر أي إنسان سيخرج منها.

فالمدرسة ليست بناية، وليست مكيفًا، وليست سبورة، وليست شهادة. المدرسة هي المصنع الذي تصنع فيه الدولة أجيالها.

ومن أراد تونس قوية غدًا، فعليه أن يبني اليوم مدرسة عمومية قوية، عصرية، مجانية، عادلة ... لأن مستقبل الفقير لا يجب أن يكون أفقر من مستقبل الغني. 🇹🇳