مواكبة / محمد رضا البقلوطي
برنامج ثري انطلق بجلسة افتتاحية تولت خلالها رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رجاء الدهماني تقديم إطار وأهداف اللقاء بوصفه فضاء للتفكير الجماعي ونقل التجارب والحوار بين التجارب النسوية المستقلة قصد التفكير في تطور الحركة وتحديد آفاق للنضالية والعمل المستمر الملائم مع التحديات الراهنة...
وتلت كلمة الافتتاح مداخلة الاستاذة درة محفوظ دراوي قدمت خلالها عرضا حول المسار النضالي للمرأة منذ السبعينات ودورها التاريخي في بناء حركة نسوية مستقلة.
وتمحورت الجلسة الأولى حول موضوع المنظمات النسوية ( المنظمة والغير المنظمة(، واعادة تشكيل المشهد النسوي بعد 2011 ، وفهم كيفية مساهمة المنظمات الجديدة في تحديد أشكال النضال النسوي مع التطرق الى أوجه الاستمرارية والقطيعة مع النضالات النسوية السابقة اضافة الى التوترات واشكال التكامل بين مختلف مكونات الحركة ؛ وقد ساهمت المشاركات في الجلسة في إثراء الحوار واستعرضت تجاربهن في بعث حركات نسوية مستقلة من ذلك في القطاع الفلاحي مساندة للعاملات الفلاحيات في نضالهن من أجل ضمان حقوقهن ...وأثرت الجلسة مداخلات لكل من سارة بن سعيد من جمعية أصوات نساء ومنيرة بن صالح ، حركة أصوات عاملات الفلاحة وهند الشناوي من المدرسة النسوية لينا بن مهني كذلك أمل بنت ناديه من "جمعية فلڨطنا"...
وتضمنت الجلسة الثانية والتي كان محورها تحديات وفرص النسوية المستقلة تحديد أبرز التحديات التي تواجه النسوية المستقلة في تونس والاطلاع على فرص تعزيز الحركة في سياق سياسي ومجتمعي موتر.
قراءة فنية ونقدية للحركة النسوية المستقلة في تونس من خلال منظور الإبداع الفني:
وتم خلال الجلسة كذلك تناول التحديات المرتبطة بالاستقلالية السياسية والتنظيمية والمالية للمنظمات النسوية وعلاقاتها بالدولة والجهات المانحة والأحزاب السياسية وبقية الحركات الاجتماعية. حيث أثرت هذه المواضيع تدخلات كل من جنين التليلي باحثة حول الجندر بجمعية تقاطع وناديا حكيمي من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وسناء بن عاشور من "جمعية بيتي".
وقد توج اللقاء النسوي بمداخلة ختامية حول نظرة فنانة حول تأثيرات الحركة النسوية المستقلة ونضالاتها على المجتمع من تقديم الفنانة المسرحية وفاء الطبوبي التي قدمت قراءة فنية ونقدية للحركة النسوية المستقلة في تونس من خلال منظور الإبداع الفني وابراز دور الفن كفضاء للتعبير السياسي وحفظ الذاكرة ونقل النضالات خاصة في سياق تضييق الفضاء المدني وبالتالي تفتح هذه النظرية الفنية آفاقا للتفكير الجماعي لمستقبل حركة نسوية مستقلة قادرة على التجديد والتحول واحداث التغيير المجتمعي.
تصور لحقوق النساء قائم على كونية حقوق الإنسان والمساواة في المواطنة، وحرية الضمير:
تشكلت الحركة النسوية المستقلة في تونس ضمن سياقات سياسية اتسمت بتقييد الحريات ومنذ بداياتها، وجدت كفضاء مقاومة نقدية في مواجهة نسوية الدولة وتوظيف حقوق النساء من خلال تطوير أشكال تنظيم وتعبئة متجذرة في الواقع الاجتماعي التونسي وقد بنيت هذه الحركة حول مبادئ مؤسسة من أبرزها الدفاع عن مقاربة علمانية لحقوق النساء، والتأكيد على تعددية الحساسيات والممارسات النضالية. كما جعلت النسويات المستقلات تصورا لحقوق النساء قائما على كونية حقوق الإنسان والمساواة في المواطنة، وحرية الضمير في سياق استخدم فيه الخطاب الديني في كثير من الأحيان لتبرير اللامساواة وتقييد الحريات الفردية، وبذلك تموضعت النسويات كمناهضات للمعايير الأبوية ومدافعات عن استقلالية النساء في مواجهة محاولات السيطرة على أجسادهن وخياراتهن.
أحدثت ثورة 2011 حالة من الحراك السياسي والاجتماعي تميزت بظهور أصوات نسوية جديدة وتشكل مجموعات مستقلة وابتكار أساليب تعبير جديدة لكنها كشفت في الوقت ذاته عن إعادة تشكل المشهد النسوي وظهور توترات داخلية واليوم، وفي ظل سياق يتم بالتراجع الديمقراطي وتضييق الفضاء المدني تتعرض الناشطات النسويات بشكل خاص لضغوط وملاحقات وأمام هذه الهجمات تبرز أكثر من أي وقت مضى أهمية نقل الإرث النسوي وتعزيز التضامن وإعادة التأكيد على المبادئ المؤسسة للحركة.
من أجل حقوق المرأة ودعمها وإظهار التضامن مع النساء ضحايا العنف والتمييز:
وللإشارة فقد تأسست جمعية النساء الديمقراطيات في 6 أوت 1989، حسب التأشيرة القانونية رقم T-3690 (الرائد الرسمي رقم 72 من 15 سبتمبر 1989) وقد حصلت جمعية النساء الديمقراطيات في 2004 على صفة المراقب للمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. تقوم الجمعية بحملات، ضد جميع أشكال التمييز بين الجنسين، وضد جميع أشكال العنف ضد المرأة. كما تضغط من أجل تطوير ونشر خطاب نسوي وعلماني وتقدمي لتونس تحترم الكرامة والحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية. مهمتها القيام بحملة لنشر ثقافة المساواة بين الجنسين في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والقانونية. وتدافع أيضًا من أجل حقوق المرأة، ودعمها، وإظهار التضامن مع النساء ضحايا العنف والتمييز؛ وتدعو كذلك إلى تعزيز قدرة النساء والشباب على تولي هذه المهمة.
ومن بين إنجازات الجمعية، مركز التأريخ والتوثيق النسوي "صفية فرحات" الذي يهدف إلى جمع وحفظ وتوثيق ورقمنة جميع نصوص وبحوث وأنشطة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وأرشيف مناضلاتها وغيرها من الجمعيات النسوية لتعزيز نضالات النساء وإظهار دورها في الحراك الإجتماعي في تونس وحث الأجيال الشابة على الإنخراط فيه بامتلاك مرجعياته وآلياته؛ ويشتغل المركز على ثلاث وحدات، وحدة الأرشيف ومكتبة ووحدة تسجيل سمعي بصري. كما بُعث المركز حفاظا لذاكرة مناضلات الحركة النسوية ومد جسور التواصل وتعزيزه بين مختلف أجيال المناضلات...
النسوية باتت حقلا فرعيا من حقول معرفية عديدة تدرس في الجامعات العربية:
ولمزيد التعريف بالحركة النسوية Feminism نشير بأنها حركة اجتماعية تضع على عاتقها مهمة الدفاع عن حقوق النساء، والارتقاء بها للحد الذي تتاح فيه للنساء حقوق مساوية للرجل على الصعد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، وبدون أي تمييز أو اقصاء وعلى الرغم من أن النسوية في العالم العربي قد بدأت بالتبلور النوعي منذ نهايات عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات من القرن العشرين، إلا أن ظهورها الفعلي والحقيقي أبكر من ذلك بكثير، إذ بدأ يظهر التيار النسوي حتى وإن لم يطلق على نفسه تلك التسمية بداية القرن العشرين، لكن خلال النصف الأول من القرن العشرين، لم يكن للنسوية حضور وازن لأسباب عديدة منها انشغال العرب بقضايا التحرر من الاستعمار، وسيطرة أفكار كالقومية العربية والوحدة العربية على شعوب المنطقة، ثم الانشغال بقضية تحرير فلسطين، لكن ومع نهايات عقد السبعينات بدأت النسوية تتصاعد في ظهورها حتى وصلت لما هي عليه حاليا، ومن حيث ، أن النسوية باتت حقلا فرعيا من حقول معرفية عديدة تدرس في الجامعات العربية، كحقل العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعلم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي، وتخصصات الآداب على اختلافها، سواء أكان أدبا عربيا، أو أدبا إنجليزيا، أو أدبا فرنسيا، إضافة لاهتمام حقل النقد الأدبي بالنسوية كحقل معرفي فرعي من ضمن تخصصاته، فضلا عن استحداث الكثير من الجامعات العربية تخصص دراسات المرأة الذي يهتم بشكل عميق بالنسوية كحقل من حقوله.
كذلك باتت النسوية حركة اجتماعية سياسية لديها وجود مؤسسي واقعي في الكثير من الدول العربية، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك، وجود العديد من النقابات النسائية في مختلف الدول العربية مثل: الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، والاتحاد الوطني للمرأة الفلسطينية، والاتحاد الوطني للنساء الجزائريات والاتحاد العام لنساء اليمن والاتحاد النسائي الأردني العام والاتحاد العام للمرأة الموريتانية...
كما أن النسوية باتت تيارا متزايد الحضور على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تنشط الكثير من النسويات في الدعوة لأفكارهن، وكذلك النسويون في الدعوة لأفكارهم على مواقع التواصل الاجتماعي، تعريفا بأفكار النسوية، وسعيا لضمان الدعم لتلك الأفكار في إطار السعي لتحقيق المساواة ما بين الجنسين...