والتونسيون انقسموا إلى فريقين... فريق يغني مع محمد الجبالي، وفريق يغني مع الملف الإداري.
لكن الجميع نسي أن السؤال الحقيقي ليس: هل يستحق محمد الجبالي التكريم؟
السؤال هو: هل مازال مهرجان قرطاج مؤسسة للتكريم أصلًا؟
إذا فتح قرطاج باب الاحتفال بأربعين سنة من مسيرة فنان، فغدًا سيأتي من يحتفل بخمسين سنة، وبعده من يحتفل بخمس وثلاثين، وبعده من يحتفل بثلاثين، وسيتحول أكبر مهرجان في تونس إلى رزنامة للاحتفالات بالمسيرات الفنية. وقريبًا، لن نحتاج مديرًا للمهرجان...
بل سنحتاج موظفًا في الحالة المدنية يحسب أعمار الفنانين وعدد شموع مسيرتهم!
ثم دعونا نكن قساة مع محمد الجبالي قليلًا...
أربعون سنة من الإبداع ليست مجرد أغنيات... إنها علامة تجارية اسمها "محمد الجبالي".
والعلامات التجارية الكبرى لا تُقدَّم في ملف مرتبك أو فكرة عامة. إنها تُقدَّم كما تُقدَّم المشاريع الكبرى: رؤية فنية، وإخراج، وهوية بصرية، وخطة تسويق، وقيمة مضافة، ورسالة واضحة تقول لقرطاج: لماذا سيكون هذا العرض حدثًا يجعل الناس يشترون تذكرة طائرة إلى تونس؟
فالفنان اليوم لم يعد يبيع أغنية...
بل يبيع تجربة كاملة.
لكن، في المقابل، على إدارة مهرجان قرطاج أن تسأل نفسها سؤالًا أكثر إيلامًا.
هل وظيفة قرطاج أن يوزع شهادات حسن السيرة الفنية؟
أم أن وظيفته أن يصنع اقتصادًا ثقافيًا؟
ثم انظروا إلى كرة القدم...
قبل سنوات، كان الناس يظنون أن كرة القدم مجرد اثنين وعشرين لاعبًا يركضون وراء كرة.
اليوم أصبحت صناعة بمئات المليارات من الدولارات.
أصبحت تجارة، وسياحة، وإعلامًا، وحقوق بث، وتسويقًا، واستثمارات، وقوة ناعمة، ودبلوماسية تعيد رسم صورة الدول في العالم.
لا أحد يسأل كم سنة لعب هذا اللاعب حتى نكرّمه...
بل يسأل: كم سيدخل من أموال؟ كم سيجلب من مستشهرين؟ كم سيبيع من القمصان؟ كم سيجلب من سياح؟ وكم ستربح المدينة التي تحتضن المباراة؟
والثقافة ليست أقل شأنًا من الرياضة...
بل ربما أكثر تأثيرًا.
فالفنان العالمي الذي يصعد ركح قرطاج لا يغني فقط...
بل يحمل معه آلاف السياح، وعشرات الصحفيين، وملايين المشاهدات، ويحوّل اسم "تونس" إلى عنوان يتردد في وسائل الإعلام العالمية.
أما الفنان التونسي، فلا ينبغي أن يكون مشروع تكريم...
بل مشروع تصدير.
يجب أن نستثمر فيه، ونبني صورته، ونسوّقه عربيًا وإفريقيًا وعالميًا، حتى يصبح هو أيضًا سفيرًا اقتصاديًا وثقافيًا لتونس.
لقد تغيّر العالم...
المهرجانات الكبرى لم تعد تُقاس بعدد التصفيقات، بل بعدد تذاكر الطائرات التي باعتها، وعدد ليالي النزل التي امتلأت، وعدد الصور التي جابت العالم وهي تقول: "هذه تونس."
الفنان الأجنبي الذي تستضيفه لا يضيف فقط سهرة...
بل قد يجلب آلاف السياح، ويُسوّق صورة البلاد، ويخلق حركية اقتصادية وثقافية وإعلامية.
أما الفنان التونسي، فمكانه الطبيعي لا يكون في انتظار ليلة تكريم، بل في مشروع وطني لصناعة النجوم، وتصديرهم، وتحويلهم إلى علامات ثقافية تنافس عربيًا وإفريقيًا وعالميًا.
لهذا أعتقد أن الجدل كله في المكان الخطأ.
محمد الجبالي ليس المشكلة...
والإدارة ليست المشكلة...
المشكلة هي أن الجميع يناقش مقعدًا في قرطاج، بينما لا أحد يناقش إلى أين يسير قرطاج.
مهرجان قرطاج لا يحتاج إلى فلسفة "تكريم الفنانين"...
بل إلى فلسفة "صناعة الفنانين".
ولا يحتاج إلى عدّ سنوات المسيرة...
بل إلى عدّ ملايين المشاهدات، وآلاف السياح، وعشرات المشاريع الثقافية التي تجعل اسم تونس يسافر أبعد من حدودها.
فالدول العظمى لا تبيع تاريخها...
إنها تستثمر فيه.
ولا تستهلك ثقافتها...
إنها تحوّلها إلى اقتصاد، وإلى نفوذ، وإلى دبلوماسية ناعمة.
أما نحن...
فما زلنا نختلف حول من يستحق درعًا تذكارية، بينما العالم يحوّل الأغنية إلى طائرة ممتلئة بالسياح، والمهرجان إلى صناعة بمليارات، والفنان إلى قوة ناعمة تفتح للأسواق ما لا تفتحه السفارات.
وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الحقيقي:
هل يستحق محمد الجبالي أن يُكرَّم؟
بل أصبح السؤال الذي سيحدد مستقبل الثقافة التونسية كلها:
هل نريد مهرجانًا يحتفل بالماضي... أم مهرجانًا يصنع المستقبل؟