عندما تعجز الكرة... تغني الحضارة

بقلم شكري بن حسين

للكرة تسعون دقيقة... وللحضارة ثلاثة آلاف سنة

ولهذا، لم تنتظر تونس كثيرًا لتداوي خيبة الملاعب. فما عجزت عنه الأقدام، أنجزته الحناجر. وما أخفق في رسمه العشب الأخضر، رسمته حجارة قرطاج التي ما زالت، منذ أكثر من عشرين قرنًا، تعرف كيف تستقبل العالم دون أن تطلب من أحد بطاقة دعوة.

كم هي ساخرة هذه الحياة! نبحث عن مجد الوطن في شباك مرمى، بينما كان المجد ينتظرنا فوق ركح روماني يطل على البحر الأبيض المتوسط. هناك، لا يرفع الحكم صافرة النهاية، لأن الفن لا يعرف الوقت بدل الضائع، ولا توجد فيه ركلات حظ، بل فقط تاريخ يصفق لتاريخ.

في الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، لم تكن البرمجة مجرد قائمة حفلات، بل كانت بيانًا ثقافيًا يقول إن تونس، مهما تعثرت في الرياضة أو الاقتصاد أو السياسة، تبقى قادرة على قيادة المنطقة بالفن. فحين تجتمع ميادة الحناوي، وماجدة الرومي، والشاب خالد، وأمينة فاخت، وصابر الرباعي على ركح واحد اسمه قرطاج، فإن الرسالة تتجاوز الغناء؛ إنها إعلان بأن الجمهورية التي ورثت حضارة قرطاج لا تزال تعرف كيف تصنع القوة الناعمة.

ومن الإنصاف أن نقولها: كما ننتقد المسؤول عندما يخطئ، علينا أن نصفق له عندما يصيب. فقد اجتهد الفريق المشرف على هذه الدورة داخل وزارة الثقافة، وأعاد إلى قرطاج شيئًا من هيبته العربية والمتوسطية، بعيدًا عن منطق "الترند" الذي يحكم كثيرًا من المهرجانات.

الفيلسوف الألماني هيغل كتب أن التاريخ لا يتذكر إلا الأمم التي تنتج الثقافة. أما تونس فتضيف درسًا آخر: قد تخسر مباراة في كأس العالم، لكنك تستطيع في الليلة نفسها أن تربح احترام العالم بأغنية.

وهذا هو الفرق بين نصرٍ يكتبه جدول النتائج... ونصرٍ يكتبه التاريخ.