"فرنسا والمغرب... عندما تبتسم الكرة لسخرية التاريخ: إفريقيا في قلب فرنسا وحلم إفريقيا في قلب المغرب"

بقلم شكري بن حسين

في هذا العالم الذي اختلف فيه البشر حول كل شيء، بقيت كرة صغيرة قادرة على جمعهم حول شاشة واحدة.

كرة القدم ليست مجرد 90 دقيقة، إنها مرآة للإنسان: تكشف غروره عندما ينتصر، دموعه عندما يخسر، وحلمه عندما يركض خلف المستحيل.

في مونديال 2026، وصلت الحكاية إلى لحظة الحقيقة. سقطت أسماء كبيرة، وغادرت قمصان كانت تعتقد أن التاريخ وحده يكفي للفوز. لكن الكرة، هذه الساحرة الساخرة، لا تقرأ كتب المجد ولا تحفظ أسماء الأبطال السابقين.

في ربع النهائي، تأتي مواجهة فرنسا والمغرب كأنها رواية كتبها التاريخ بيده.

فرنسا تدخل بثقل القميص الأزرق وبهيبة منتخب اعتاد منصات التتويج. لكنها تحمل في داخلها مفارقة جميلة: منتخب أوروبي يعيش جزءًا كبيرًا من روحه الكروية في إفريقيا.

أبناء القارة السمراء الذين حملوا أحلام عائلاتهم، أصبحوا يصنعون أمجاد فرنسا فوق الملاعب العالمية.

أما المغرب، مفاجأة البطولة، فلم يأتِ ليكون ضيف شرف.

أسود الأطلس دخلوا الملعب برسالة بسيطة: الأحلام لا تحتاج دائمًا إلى أكبر ميزانية، بل تحتاج إلى أكبر إيمان.

إنها ليست فقط مباراة بين منتخبين، بل حوار بين تاريخ يريد المحافظة على عرشه، وحلم يريد كتابة صفحة جديدة.

وخلف هذه الأحلام الجميلة توجد لعبة أخرى... لعبة المال.

كأس العالم 2026 أصبحت إمبراطورية اقتصادية قبل أن تكون منافسة رياضية.

الفيفا تتوقع خلال دورة 2023-2026 إيرادات تقارب 11 مليار دولار، في بطولة توسعت إلى 48 منتخبًا و104 مباريات.

كما ستوزع حوالي 871 مليون دولار على المنتخبات المشاركة، ويحصل البطل على حوالي 50 مليون دولار.

يا لها من مفارقة!

كرة القدم بدأت في الأزقة حيث كان الأطفال يركلون كرة بسيطة، وانتهت اليوم إلى صناعة عالمية تركض فيها الشركات خلف المليارات كما يركض اللاعبون خلف الكأس.

في الملعب هناك 22 لاعبًا، لكن خلفهم عالم كامل من القنوات، المعلنين، المستثمرين والأرقام.

ومع ذلك تبقى لحظة واحدة لا تستطيع كل الأموال شراءها: لحظة الهدف.

لحظة يصرخ فيها طفل في حي شعبي، وينسى العالم للحظة مشاكله وأسعاره وحروبه.

لأن كرة القدم، رغم دخولها عالم المال، ما زالت تحتفظ بقلب طفل صغير.

في السياسة، الأقوى يفرض نفسه.

في الاقتصاد، المال يتكلم.

أما في كرة القدم... فقد تتكلم قدم واحدة في الدقيقة الأخيرة.

ولهذا يبقى السؤال في مونديال 2026:

هل ينتصر التاريخ الذي تعرفه فرنسا؟

أم الحلم الذي يحمله المغرب؟

في النهاية، الكرة وحدها تعرف الجواب... وهي لا تكشف أسرارها إلا بعد أن تدور.