وتأتي هذه المبادرة في وقت أصبحت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني من أهم مرتكزات التنمية الاقتصادية والإدارية، وأحد أبرز معايير جاهزية الدول لمواكبة الاقتصاد الرقمي العالمي. كما تعكس إدراكًا متزايدًا لدى المؤسسات الأكاديمية والعلمية الإفريقية بأهمية توحيد الجهود لمواجهة التحديات الرقمية التي تتجاوز الحدود الوطنية.
وتُنظم القمة بمبادرة من مجلس التعاون العلمي العربي الجزائري، بالتعاون مع جامعة صفاقس وجامعة القيروان بالجمهورية التونسية، وجامعة الجفرة الليبية، بمشاركة مسؤولين، وأكاديميين، وخبراء، وباحثين، ومتخصصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي، يمثلون عددًا من الدول الإفريقية.
التحول الرقمي... رهان استراتيجي لإفريقيا
يشهد العالم تحولًا متسارعًا نحو الاقتصاد الرقمي، الأمر الذي يجعل امتلاك بنية رقمية قوية وآمنة ضرورة استراتيجية وليست خيارًا. وفي هذا السياق، تواجه الدول الإفريقية تحديات متزايدة تتعلق بحماية البيانات، وتأمين البنى التحتية الرقمية، وتطوير التشريعات المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب بناء القدرات البشرية القادرة على قيادة هذا التحول.
ومن هذا المنطلق، تسعى القمة إلى أن تكون منصة إفريقية للحوار وتبادل الخبرات، تسهم في تقريب وجهات النظر بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية، وتدعم التعاون في مجالات الابتكار والتكنولوجيا، بما يواكب التطورات العالمية ويعزز مكانة القارة في الاقتصاد الرقمي.
منصة للتعاون العلمي وبناء الشراكات
لا تقتصر أهداف القمة على مناقشة القضايا التقنية فحسب، بل تمتد إلى تعزيز التعاون العلمي بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات، وفتح آفاق جديدة للشراكات في مجالات البحث والتطوير، وتبادل الخبرات والكفاءات، وتشجيع المشاريع المشتركة التي تخدم احتياجات الدول الإفريقية في مجال الرقمنة.
كما تهدف إلى دعم التحول الرقمي داخل المؤسسات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير سياسات وطنية للذكاء الاصطناعي تراعي الجوانب القانونية والأخلاقية، إلى جانب تشجيع الابتكار والاستثمار في البحث العلمي باعتباره ركيزة أساسية للتنمية المستدامة.
برنامج علمي يواكب تحديات المرحلة
يتضمن برنامج القمة سلسلة من الورشات العلمية والتكوينية التي تعالج قضايا ترتبط مباشرة بمستقبل التحول الرقمي في إفريقيا، من بينها:
- القانون والذكاء الاصطناعي والإشكالات المرتبطة بالمسؤولية القانونية.
- توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات والقطاعات الاستراتيجية.
- حوكمة البيانات وإدارة المعلومات في البيئة الرقمية.
- الابتكار التربوي في ظل التقنيات الحديثة.
- الأمن السيبراني في عصر الذكاء الاصطناعي وسبل حماية الفضاء الرقمي.
وتمثل هذه الورشات فرصة لتبادل التجارب الناجحة، واستعراض أحدث الممارسات العلمية والتطبيقية، بما يسهم في نقل المعرفة وبناء كفاءات إفريقية متخصصة.
تصريحات تؤكد البعد الاستراتيجي للقمة
وأكد الدكتور هشام قاضي، الرئيس والمدير العام لمجلس التعاون العلمي العربي الجزائري ومهندس القمة، أن المبادرة تنطلق من رؤية تؤمن بأن مستقبل إفريقيا الرقمي يعتمد على الاستثمار في المعرفة، وتعزيز التعاون العلمي، وبناء منظومات رقمية آمنة وقادرة على دعم التنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني أصبحا عنصرين أساسيين في تطوير المؤسسات وتعزيز تنافسية الدول.
من جانبها، أوضحت الدكتورة حفيظة مريوة، أستاذة بجامعة وهران 2 ومنسقة القمة ونائبة مديرها، أن هذا الموعد العلمي يهدف إلى إنشاء فضاء دائم للحوار والتعاون بين الجامعات والخبراء والمؤسسات، بما يدعم البحث العلمي، ويعزز تبادل الخبرات، ويسهم في إعداد كفاءات إفريقية قادرة على قيادة التحول الرقمي.
تونس... وجهة للملتقيات العلمية الإفريقية
ويحمل اختيار تونس لاحتضان هذه القمة دلالات مهمة، بالنظر إلى ما تتمتع به من رصيد أكاديمي وخبرة في تنظيم المؤتمرات والملتقيات العلمية الدولية، إلى جانب موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة التقاء بين بلدان شمال القارة وشرقها وغربها، وهو ما يعزز فرص توسيع التعاون العلمي والتقني بين مختلف الدول الإفريقية.
نحو تكامل رقمي إفريقي
ويرى متابعون أن القمة تمثل خطوة مهمة نحو بلورة رؤية إفريقية مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، خاصة في ظل الحاجة إلى تنسيق الجهود لمواجهة التهديدات الرقمية، وتعزيز الأمن المعلوماتي، وتطوير سياسات موحدة لحوكمة البيانات، بما يضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة ويحافظ على الحقوق الرقمية للأفراد والمؤسسات.
كما ينتظر أن تسهم توصيات القمة في إطلاق مبادرات بحثية وتكوينية مشتركة، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال الرقمية، وتعزيز التكامل بين الجامعات ومراكز البحث، بما يدعم بناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة، ويمنح القارة الإفريقية فرصًا أكبر للاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة.
وتطمح الجهات المنظمة إلى جعل القمة موعدًا إفريقيًا دوريًا، ينتقل بين عدد من الدول، ليشكل منصة مستدامة لتقييم التقدم المحقق، ومتابعة تنفيذ التوصيات، وتعزيز الشراكات العلمية والتكنولوجية، بما يخدم مسيرة التنمية، ويرسخ مكانة إفريقيا فاعلًا مؤثرًا في مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.