غير أن هناك محاولات جديدة من طرف مكونات المجتمع المدني والجهات المعنية من خلال تظاهرات توعوية و تحسيسية موجهة للعموم حول فوائد الأكلات الصحية التي توارثتها الأجيال واعتمدت فيها عملية الخزن الطبيعي.
إحياء الموروث التونسي الاصيل وتثمين الاكلات التقليدية القديمة واعادة تقديمها للأجيال الجديدة :
وفي هذا الإطار نظمت جمعية بالتعاون مع جمعية مارس حقك مهرجان الأكلة الزمنية من قاع الخابية في دورته الثانية، وقد سلط هذا الحدث الثقافي 17 ماي بدار الثقافة السليمانية.جاء تنظيم هذه التظاهرة الثقافية في إطار اختتام الدورة ال35 لشهر التراث تحت شعار" التراث وفن العمارة " ومثل هذا المهرجان مناسبة هامة جمعت بين التراث والنكهة والحرف التقليدية واللمة التونسية العتيقة في قلب مدينة تونس ومن أهداف هذه التظاهرة الثقافية الغذائية احياء الموروث التونسي الاصيل وتثمين الاكلات التقليدية القديمة واعادة تقديمها للأجيال الجديدة.
وتضمن المهرجان معرض الصناعات التقليدية et ورشة التقطير التقليدية في عرض حي، وتمكن الحضور الذين اطلعوا على المكونات الأساسية للتقطير بطريقة بواسطة القطًار الذي توضع فيه النبتة في وعاء علوي به الماء، وعند بلوغ درجة حرارة معينة ينطلق البخار إلى الأعلى ليتحول إلى قطرات تنزل إلى قارورة بلورية وبذلك نحصل على ماء العطرشية.
وللإشارة فإن التقطير التقليدي للنباتات هو عملية استخلاص "الزيوت العطرية" والمياه الزهرية (الهيدروسول) من الأعشاب عبر تمرير البخار. يُستخدم هذا التراث الثقافي الغني في تونس وشمال إفريقيا لاستخراج خلاصات نباتات مثل العطرشية، الورد، زهر البرتقال (النارنج)، الإكليل، والخزامة، والتي تدخل في مستحضرات التجميل، الطبخ، والطب البديل.
إذ تعتمد العملية على مبادئ التسخين والتبخير والتبريد وفق خطوات و تقنيات التقطير من ذلك تحضير النبات إذ تُجمع الأجزاء العطرية (أوراق، أزهار) في الصباح الباكر وتُقص لأجزاء مع إزالة الأوراق التالفة. ثم يُوضع النبات في الإناء السفلي (القطار التقليدي) ويُغمر بالماء بعدها يُوضع الإناء على نار قوية حتى الغليان، ثم تُخفّض الحرارة إذ تتسبب الحرارة في تبخر الماء ومعه الزيوت العطرية الموجودة داخل أنسجة النبات هذا و يمر البخار عبر أنبوب متصل بوعاء تبريد (يُملأ باستمرار بالماء البارد)، ليتحول البخار إلى سائل يقطر في قارورة. وللحصول على الزيت العطري الخالص، تُعرّض القوارير الزجاجية لأشعة الشمس ليومين حتى يطفو الزيت العطري على السطح ويمكن فصله، في حين يُستخدم السائل الباقي كـ "ماء زهر" أو "ماء عطرشية"هذا ويتكون جهاز التقطير التقليدي من : القطًار (القدر)وهو الإناء الفخاري أو النحاسي الذي يوضع فيه النبات والماء وبالنسبة للغطاء فهو مخروطي الشكل ومحكم الإغلاق يجمع البخار المتصاعد ويوجهه للأنبوب. وصول للفاشكة (القارورة) وهي وعاء التجميع النهائي...
مسابقة في الأكلة الزمنية "الكاباما" أكلة تونسية أندلسية عريقة :
كما تم خلال فعاليات المهرجان تنظيم مسابقة في الأكلة الزمنية الأندلسية "الكاباما" هي أكلة تونسية أندلسية عريقة ومرق تقليدي يتميز بصلصته الصافية (الزعرة) المعتمدة على الزعفران. تعتمد بشكل أساسي على لحم الضأن (أو الدجاج كبديل)، والبصل، والبطاطا المقلية المدمجة في المرق قبل نضوجها، مع لمسات من الكبار والليمون، وتؤكل دافئة ومزينة بالبقدونس والبصل.هذا و يعود أصل الكلمة إلى المصطلح العثماني (Kapama) والذي يعني "المُغطى"، وهو أسلوب طهي يعتمد على التكثيف والطبخ البطيء في إناء محكم الغلق. اندمج هذا الطبق في المطبخ التونسي بفضل الموريسكيين من الأندلس، وارتبط تاريخياً بالمناسبات الرمضانية وأكلات المدن العتيقة -500 غرام من لحم الضأن (أو الدجاج حسب الرغبة) -حبات من البطاطا، تُقشر وتقطع وتُقلى في الزيت مسبقاً - بصل مفروم ناعماً. التوابل المميزة : الزعفران، الكركم، والتابل التونسي.للزينة والتعديل : القليل من الكبار، الليمون، والبقدونس الطازج. وبالنسبة لطريقة التحضير يُقلى البصل مع قطع اللحم (أو الدجاج) في الزيت حتى يكتسب لوناً ذهبياً. ثم إعداد المرق : بإضافة القليل من الماء الدافئ والتوابل (الزعفران والكركم)، ويُترك اللحم على نار هادئة حتى ينضج تماماً.ثم دمج المكونات حيث تُضاف البطاطا المقلية إلى المرق وتُترك لتغلي معه لدقائق قليلة لتتشرب النكهة المميزة. وخلال اللمسة الأخيرة يُرفع الطبق عن النار، ويُعصر فوقه القليل من الليمون، ويُزين بالبقدونس والبصل المفروم...
الطعام ليس مجرد طبق يشبع الجسد، بلهو لغة تتحدث بها الشعوب عن تاريخها وأرضها و تقاليدها االثقافية :
ولقد مثلت المحاضرة العلمية حول التراث الغذائي الأندلسي قدمتها الدكتورة والمحافظ المستشار بمعهد التراث السيدة منال المجيد، مناسبة للاستفادة من معطيات ومعلومات مفيدة تفاعل معها الحضور حول التراث الغذائي الأندلسي في تونس و خاصة في الوطن القبلي الذي لم يكن مجرد وصفات أطباق، بلهو امتزاج حضاري عميق، ساهم في إعادة تشكيل الهوية الغذائية منذ القرن السابع عشر التي لا تزال حية إلى اليوم. ومن هنا، تبرز ضرورة توثيق هذا التراث وصونه، ليس فقط كونه جزءاً من ذاكرتنا غير المادية، بل وأيضاً كركيزة أساسية للسياحة التراثية.
وقد تضمن العرض صورا ومعطيات أكدت أن الطعام ليس مجرد طبق يشبع الجسد، بلهو لغة تتحدث بها الشعوب عن تاريخها وأرضها و تقاليدها الثقافية والتراث الغذائي هو مجموعة من المعارف والمهارات المكتسبة و المتوارثة جيلا بعد جيل التي تحوّل خيرات الأرض إلى أطباق جاهزة. كما أن التراث الغذائي التونسي هو نتاج تلاقح حضارات و ثقافات عديدة و موائد شعوب عريقة مرت بالبلاد التونسية.هذا و تعتمد أصول العادات الغذائية التونسية على الحبوب المختلفة خاصة القمح و شعير في شكل خبز وثريد أو فطائر قمح و على زيت الزيتون و التمر و التين و العنب و الرمان إضافة إلى لحوم بعض الحيوانات كالطيور والأسماك.
مع قدوم المورسكيين إلى تونس بعد سقوط الأندلس كان لهم دور كبير في تحوير نوعية الأطباق .
استقر الأندلسيون في بداية القرن السابع عشر في العديد من المناطق بالبلاد التونسية: تونس العاصمة وبنزرت (رأس الجبل، غار الملح، العالية) و زغوان و تستور و مجاز الباب والوطن القبلي (سليمان، قرنبالية، منزل بوزلفة بلي بنابل). فقد أحدث توافدهم التغيير الكبير في مجال الفلاحة، حيث أحيوا هذه المناطق بالزراعات السقويّة والأشجار المثمرة مستغلّين النواعير وطواحين الريح لضخّ مياه الآبار.
كما أدخلوا في تلك الفترة أشكال جديدة من العربات المجرورة بالدواب التي تساعد الفلاحين في نشاطهم والتي مازالت تستعمل إلى اليوم وتسمى "الكرّيطة" est une référence pour les gens et les gens.
ولقد واصلت د.منال المجيد محاضرتها بتقديم مزيد التفاصيل حول العديد من الأكلات و تقنيات تخزين الأطعمة عبر التجفيف والتخليل مما أثرى المائدة التونسية بمكونات لم تكن معروفة من قبل.من ذلك الإشارة إلى اقتران استيطان المورسكيين في مدينة تستور بالأجبان التي تزودوا بها في رحلتهم كمؤونة طريق.حيث تولوا تثبيت هذا المنتوج الذي كان يهدى و عرّفوا به و أدخلوا طرقهم في طبخه التي تستخدم فيها مشتقات حليب الماعز فأصبح يلقّب اليوم "بالجبن التستوري". إذ تميز هذا الجبن بشهرة كبرى فتعدّدت الإبتكارات والإضافات ليصبح مشروعا متطوّرا على مرّ السنين مما ساهم في وصول هذا المنتوج لذائقة جميع الناس . كما يعد التراث الغذائي الأندلسي أحد أبرز تجليات التمازج الحضاري، حيث امتزجت تقنيات الطبخ الأندلسي بمنتجات الأرض لتنتج مطبخاً راقياً، صحياً، ومفعماً بالنكهات...
هذا وقد توجت فعاليات المهرجان بورشة للأطفال في الخشب الأندلسي للحرفي محمد ياسين الماكني.
كما تم الإعلان عن نتائج المسابقة مع تقديم نصائح غذائية وكان مسك الختام بوصلة موسيقية مصحوبة بعرض أزياء للباس التقليدي وتكريم المشاركين ...